أبي منصور الماتريدي
9
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - الثاني أخص ، ولا يلزم من وجود الأعم وجود الأخص ؛ كما لا يلزم من امتناع الأخص امتناع الأعم ؛ لأن الأخص قد يمتنع في حين يتحقق الأعم في فرد آخر من أفراده ، ولهذا نظير ، مثل لو قلت : لا تجلس في هذا المكان ، فإن هذا لا يقتضي منعك من مطلق الجلوس ، ولا من الجلوس في مكان آخر ؛ لأنه يجوز أن يكون سبب منع الخاص جهة خصوصه ، وعليه أن الممتنع هو الوجود الثاني الأخص ، ولا يؤثر في امتناع مقابله الذي هو الوجود الأول لأنه لم يؤثر في امتناع الأعم الذي هو مطلق الوجود . الاعتراض الثاني : أن الوجود الثاني إنما امتنع بسبب صفة لازمة للمعدوم ، وهي طرآن العدم عليه ، وهذه الصفة لا توجد في الوجود الأول ؛ فلا ينبني على امتناع الوجود الثاني امتناع الوجود الأول . وقد أجيب عن هذين الاعتراضين : بأن الوجود من حيث هو وجود أمر واحد لا يختلف باختلاف الأزمنة ؛ إذن فالوجود ابتداء والوجود إعادة هما أمر واحد ، وأما كون أحدهما أولا والآخر ثانيا فإن هذه صفات عارضة لا تأثير لها في الأصل وهو الوجود ، وبعبارة أخرى ، فإن كون الوجود أولا أو ثانيا أمر إضافي لا يغير الماهية ، ومثل الوجود الإيجابي فإنه أمر واحد ويختلف بحسب الإضافة ، والقاعدة أن كل أمرين اتحدا ماهية واختلفا بحسب العوارض فإنهما يتلازمان في أحكام الماهية ، التي هي الوجوب الذاتي والإمكان الذاتي والامتناع الذاتي ؛ والخصم قد أعطى الوجود الثاني حكما هو الامتناع الذاتي ، فيجب أن يعطاه الوجود الأول ؛ لأن الامتناع المذكور راجع إلى الذات وهي واحدة لا تختلف . وعلى هذا صحت الملازمة ( وثبت أصل الدليل كان الوجود الثاني ممتنعا لذاته أو للازمه لما وجد أولا ) . الدليل الثاني على الدعوى : أن إعادة إيجاد الشيء أهون من بدء إيجاده ، وكل ما كان كذلك فهو جائز ، فالإعادة جائزة وقد دل على هذا قول الله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : 27 ] والأهونية بالنسبة لقدرة العباد لا بالنسبة لله تعالى ؛ لأن الممكنات جميعا بالنسبة إليه سواء ، لا تفاوت فيها بالأهونية ، والمعنى إذن : أن الله تعالى قد ضرب لكم مثلا بما تعهدونه في قدرتكم من أن بعض الممكنات أسهل عليكم من البعض الآخر ، وما تعهدونه في عمل صنعة ، فإيجادها ثانيا أسهل عليكم من البدء ، فكذلك الإعادة بالنسبة إليه تعالى فإنها إيجاد ثان ، فهي بالقياس إلى ما تعهدونه تكون أسهل عليه تعالى ، ولكن الله تعالى له المثل الأعلى ، أي الصفة التي هي أعلى وأكمل من كل صفة ، وقد فهم بعض المفسرين أن الضمير في قوله تعالى : عَلَيْهِ راجع إلى الخلق ، والمعنى أن الإعادة أهون على الخلق ، أي القابل لأن يخلق وهو المعدوم ، فإن الأهونية كما تكون بالنسبة إلى الفاعل باستجماع الشرائط تكون أيضا بالنسبة إلى القابل ، فدرجة القابلية متفاوتة ، فالمعدوم الذي سبق اتصافه بالوجود درجة قبوله للموجود ثانيا أسهل وأهون ، أي : يقبل الوجود قبولا أسرع من قبول المعدوم أولا ؛ وقد اعترض على هذا الدليل بأن إيجاد المعدوم ثانيا ليس أهون ؛ لأنه عدم محض ، فكيف يقال : إنه يقبل الوجود قبولا أسرع ؟ بل هو متساو مع المعدوم الأول ، فلا أهونية ، وإنما تحصل الأهونية إذا كان يوجد مثل للمعدوم ، فيكون إيجاد مثله أهون ؛ لأن صورته باقية محفوظة ، ولكن ليس الكلام هاهنا في إيجاد مثل للمعدوم ، بل في إيجاد المعدوم بعينه ، وعلى هذا فالدليل يلائم إعادة الجسم عن تفريق ؛ لأن الأجزاء موجودة مستعدة ومتصفة بالوجود ، فقبولها للوجود الثاني أسهل . والحقيقة إن هذا الاعتراض الوارد على هذا الدليل هو من القوة بمكان بحيث يمكننا القول بأن هذا الدليل لا يصلح معتمدا للمستدلين به ، لكن يبقى لهم قوة دليلهم الأول ، والله أعلم . -